24/06/2013
(لم أكن أتخيل أن جُل ما تمنيته فى حياتى .. وأكبر حلم تاقت له نفسى قد تحقق بكامل أركانه ولكن مع اختلاف واحد فقط ألا وهو ...بطل الحلم )
تذهب الأطفال لتلهو ..تتراقص .. تجعجع وتتباهى بأصواتها .. تُضيع الوقت ..إلا أنا فقد رسمت لنفسى طريقًا حرصت ألا أحيد عنه حتى أبلغ المراد وأحقق الحلم والذى يبدو أنه وُلد معى وترعرع بين طيات دماغى فاستفحل فيها وحاز نصيب الأسد .. لم يكن يشغلنى اللهو والمرح قدر ما يشغلنى أن أحقق حلمى الذى سيطر على نفسى فتملكنى .. قد تتعجبون وتتسألون أى حلم هذا ؟! وسأُجيب حالًا .. لقد كنت أحلم يا سادة أن أكون على سدة حكم هذه البلد نعم لقد حلمت أن أكون الرئيس ولم لا ..هل هى مستحيلة ... درب من دروب الخيال ان يكون حلم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره أن يكون رئيسًا .. لا والله- إن أعظم رؤساء العالم ومن خلدهم التاريخ لم يكونوا رؤساء يوم ولدوا .. ومن ابتغى شيئًا وعمل عليه ناله ...ولكى أبدو منطقيًا فإن تربيتى فى بيت ذو أصول سياسية، ورؤيتى الدائمة لأبى وهو يمارس عمله السياسى فى جماعته السياسية المشهورة والتى كانت مرجعيتها دينية ..كان له أثر كبير فى تمكين حلمى من عقلى .. واتذكر كيف كان أبى يجبرنى على حضور معسكرات ودروس شبه يومية مع أسلافى من أبناء القامات السياسية الرفيعة فى هذه الجماعة كى يتشبع عقلى بفكرهم وتتشبع نفسى بنفسهم فنصير واحدًا !!
حقيقة كانت نفسى وعقلى ترفض أفكارهم - وشعرت أكثر من مرة أن طريقى غير ملازم لطريقهم .. فطريقهم مصمت ومحدد بأوامر ولا تُفرِد للوعى ولا للعقل مجالًا لكى يتحرك .. فقد شعرت خلال مصاحبتى لهم أن مخزونى العقلى بدأ فى العد التنازلى .. وأن لسانى قد رُبِطَ على كلمتين ألا وهما ( السمع والطاعة ).
لذا فقد كنت أجبَر على الحضور بجسدى فقط ولكن عقلى لم يكن حاضرًا .. فقد كان يعرف طريقه ويعرف هدفه الذى كنت أسعى إليه.. لذا ..فقد قررت أن أمتنع عن الحضور وسقتُ لوالدى جٌل هذه الأعذار متأملًا أن يفهم ما يحويه ابنه من أفكار وأن يعاملنى معاملة الرجال و لا يكلمنى كطفل يُساق بالأوامر من والديه .. وفوجئت بتحول والدى لشخصية عنيفة وعداونية .. فلم يكن فقط يرفض فكرة امتناعى بل لقد أخرج كمًّا مدفونًا من الانفعالات علىً لم أكن لأتخيله .. فهل مدرسة السمع والطاعة ستخرج وحشها لكى يتباهى بجبروته وقدرته على تنفيذ أوامره على من يعول !!
مرت السنين وأنا بين طيات هذه الجماعة، تُحكِمُ قبضتها علىَّ بأفكارها المتجمدة .. تغوينى بمميزاتها وطيب القرب منها وهلاك من دونها، ولكن مازالت أنا عند موقفى مصمت تجاهها مهما حاولوا زرع أفكارهم فى عقلى .. وفى هذه الأثناء كنت قد دخلت الجامعة وتدرجت فيها وإحقاقًا للحق ساعدتنى الجماعة فى نيل العديد من المناصب الطلابية.
ولكن مقصلة أمن الدولة كانت دائمًا الحجر العثر فى طريقى فقد كنت أمين اتحاد الكلية وشققت طريقى نحو اتحاد الجامعة .. ولكن عشية هذه الانتخابات حدث ما هو غير متوقع ....
كنت أجهز أوراقى وأعيد ترتيب حسابتى داخل غرفتى ..ولكنى سمعت صوت عنيف قادم وكأنه ينوى أن يخترق غرفتى .. لقد كان أبى وكان يكسو وجهه علامات الغضب والضيق، صمت قليلًا وتكلم كلمات قليلة كان فحواها (بلاش تدخل انتخابات الجامعة بكرة .. دى أوامر من غير نقاش ) فرغ من حديثه وطرق الباب وتركنى وحيدًا وأنا أنزف ليس دمًا .. بل دموعًا على نكبتى فى نفسى وعلى ضيقى من أبى ...
تخرجت من الجامعة .. ومرت علىَّ السنون وكنت على موعد مع حياتى المقبلة التى كان ينتظرها كل الشباب من أقرانى فى مثل هذه السن .. ولكن عملى السياسى وتحركاتى الحزبية السرية فى حركة شباب من أجل التغير .. وحركة كفاية ..وغيرها قد أمهلتنى صبرًا على حياة البطالة التى تنتظرنى وحياة الخضوع لوالدى وجماعته التى تطاردنى .. وكنت قد أنشأت ائتلاف شبابى يجمع شباب جميع الحركات المعارضة للنظام القمعى الأمنى .. وطعمنا جهودنا بعدد من شيوخ المعارضة وكبارات رجالاتها .. وكنت على رأس هذا التغيير .. وكان أبى فى وادِ آخر وكفَّ عن مطالبتى بالالتزام بالجماعة فقد كان أمر عظيم يشغله ولا يعلمه إلا الله .. واستمر بنا الحال على هذا المنوال إلى أن حدث المراد وأراد الله بهذه الأمة الخير .. وقامت الثورة وسقط النظام المستبد .. ولا أُخفيكم سرًا أن فرحتى كانت مضاعفة ..ففرحت مثل الجميع بسقوط صناديد الظلم وزادت فرحتى أنه أخيرًا قد يتحقق حلمى باعتلاء سدة هذه البلد .. فى ظل نظام ديمواقرطى أكيد قادم لامحالة لشعب شبع من الظلم وذاق مراراته .. وزادت تحركاتى بين أوساط الشباب أفاتحهم فى أمرى وحقيقة هالنى ما رأيته من تحفيز منهم فكان له الأثر العظيم فى نفسى .. ولم يبق سوى أن أفاتح أبى فقد قرر المجلس العسكرى الذى كان يتولى مقاليد الأمور فتح باب الترشيح للرئاسة ..ولحسن الحظ أن سنى كان أقل سن من المسموح به للترشح فكانت دفعة أخرى .. وعلمت أن باقى الشروط تنطبق علىّ .. فققرت أن أسرع فى مفاتحتى لأبى .. فقررت ألا أنتظره لكى يعود للمنزل وأن أذهب اليه فى مقر جماعته لكى أبشره برغبتى فى الترشح وأطمأنه أن معى تأييد معظم الحركات المعارضة والشبابية والعديد من رموز السياسة الذين يعرفوننى جيدًا ورحبوا بى لعلمهم وثقتهم بى.
وها أنا ذا أقترب من مقر الجماعة وكنت أيضًا معروفًا لديهم ..ولكنى لاحظت حركة غير عادية وترتيبات غير مسبوقة وكان كل من يطالعنى يهنئنى .. فحتى عم إبراهيم حارس المقر يهنئنى ويقول لى ( مبرووك لبابا ).
الكل اتفق على تهنئتى والكل يعلم ولكن كنت أنا الوحيد الأطرش فى الزفة .. سلكت طريقى لمكتب والدى ومازال الناس يهنئوننى ومنهم من يقول ربنا معكم الحمل ثقيل .. فأسرعت لفتح غرفة والدى وفوجئت ..
بجميع قامات جماعته لديه فى المكتب يشدون من أزره .. ويطالبونه بالجلد ويدعون له بالمعونة من الله .. وقبلما أفتح فمى بكلمة بادرنى مدير الجماعة بكلمة كانت فاصلة فى حياتى لقد قال لى ( مبرووك لقد اختارت الجماعة والدك كمرشح لها فى انتخابات الرئاسة ) وصمت وتوقع منى الفرح ..فبادرته بدموع أنهار هى فى وصفها .. لقد شعرت بإحساس يعجز الشعراء عن وصفه فى مرارته وقسوته .. لقد شعرت أن الحلم الذى عشت من أجله قد تحقق ولكن البطل أقرب الناس لى وليس أنا .. وكأن القدر يعاقبنى على أننى ابنًا له .. فققرت أن أصمت وأرتمى فى حضنه مهنئًا إياه على نيل الرئاسة.
ونيل حلمى
- See more at: http://www.al-mowaten.com/news/5829 .UwpTAy6y.dpuf
(لم اكن اتخيل ان جُل ما تمنيته فى حياتى .. واكبر حلم تاقت له نفسى قد تحقق بكامل اركانه ولكن مع اختلاف واحد فقط الا وهو ...بطل الحلم )